0 Comments

إذا نظرنا إلى الجسد نظرة ماكرو شموليّة من حيث الجانب المفاهيمي لتعدّدت الصّياغات والقراءات فلا يمكننا القبض على تعريف موحّد يستقرأ جميع أبعاده على اعتباره مرآة هوويّة وكيانا مركّبا واستمراريّا…

“اختر نفسك ولا ترثها” عبارة طالما ردّدتها “ليليان” كما أرادت أن نسمّيها وهي عابرة جندرية لبنانيّة لها أصول غربيّة اختارت أن تشاركنا قصّتها من الصّفر إلى شيفرة العبور، معتبرة أنّ هذه الخصومة مع الجسد مفتعلة بل ملفّقة على اعتباره سبيلا للتصريح عن المكنونات وأسلوبا لصياغة المعاني ونهجا للبوح عن الاختلاجات ما وراء اللّغة النّاطقة باسم الهويات المغلقة على عكس الجسد الممثّل للهويّات المتحرّكة.

يقول نيتشه “ليست ثمّة حقيقة تامّة وإنّما هنالك وجهات نظر” فبالرّغم من تثوير المفهوم الجندري سواء على الأساس الوضعي (العلمي) أو على الأساس المنطقي (الخطابي) فما يزال هذا الجسد حملا ابستيمولوجيا أو ثقلا سوسيولوجيا لم يتجاوز حدّ الساعة كليشيهات الذاكرة الجمعيّة المفخّخة بالعنف والتّمثّلات السّامة لتذويت الجواهر التي حلّقتها البيولوجيا (فيزيولوجيا) فأسّستها الضمائر النحويّة ومأسسها السّجل اللاهوتي الذي قوامه التقييم الأخلاقوي (الوصم والعار والشّرف والحكم والتحريم والخطيئة…)

“أتصدّقي أنّي امرأة بذاكرة رجل، أنا مولودة في الجسد الخطأ فرغم أنّه لكلّ منّا في داخله توليفة بين ذكر وأنثى… شعرت في سنّ البلوغ أنّني أنثى حقيقيّة في كامل تجلّيّاتها، مكتملة القوام والأبعاد رغم شكلي الذّكوري الّذي ينطق فحولة تعرّضت جرّاءه إلى قساوة الهرسلة وعنف التّنمّر (الإهانة كما الإدانة وإلى الإساءة كما الإماءة…)” يبدو أنّ “ليليان” رغم الحتمية الجينيّة لم ترضخ إلى هذا الالزام المورفولوجي فاختارت أن تصحّح جنسها وترسم ملامح شخصيّتها الجندريّة التي اختارتها داخل هذا الحيّز العنيف المحكوم بالمسلّمات والتقييمات المعياريّة…

تعتبر الطّبيبة المصرية الهولنديّة علياء الجاد المختصّة في علم النفس الجنسي والصّحة الجنسيّة أنّ عدم تلقّي تربية جنسية سليمة يسبّب بشكل مباشر في تعميق هذا اللّبس في التّعرّف على طبيعة الجسد في مرحلة أولى وإدراك الهوية الجندرية التي يختارها الشخص حسب مؤثّرات التنشئة الاجتماعيّة التي يتلقّاها… فلا يكمن الحلّ في تعذيب الطّفل بل هو متجلّي في تثقيف المجتمع واستقاء المعلومات من الجهات المختصّة بهدف البيان والتبيين…”

تضيف “ليليان” ساخرة “أنا لا أحبّذ لعب دور الضّحيّة رغم الإقصاء فأنا لست كائنا عرضيّا أو مجرّد صورة شكليّة، طيلة الثّلاثين سنة لطالما شعرت أنني مختلفة عن بقيّة الذّكور  في سنّ الطفولة كنت ميّالة إلى اللّعب بالدمى وتلوين وجهي بالماكياج رغم أنّ ذلك كان يثير حفيظة عائلتي المسيحيّة المتديّنة…” تضيف ضاحكة “سأروي لك نكتة على سبيل الدّعابة أذكر ذات مرّة كانت جدّتي نائمة أخذت أدوات ماكياج أختي وزيّنتها كانت جدّتي مثل العروس عندما استفاقت كنت سعيدة جدّا… فيومها اكتشفت شغفي بفنّ القيافة رغم سعادتي أكلت “علقة” (ضربا مبرحا) لن أنساها طالما حييت، فقد رفض والدي تلك النّعومة التي يصفها بـ”الميوعة” أو “الخنوثة” كانوا لا يسمحون لي بالخروج خيفة من أحكام المجتمع إذ أجبروني على تناول هرمونات التستوستيرون الذّكوريّة بالإكراه إلى أن صار عندي سرطان في القولون…، في سنّ الرّابعة والعشرين أجريت فحصا طبّيا تبيّن أنه لديّ رحم ومبايض لكنّه كان مخفيّا أجريت إثره عملية جراحيّة للصدر وكانت تلك العمليّة بمثابة تحدٍّ…”

وقد بيّنت الطبيبة علياء الجاد في الغرض أنّ حالات ثنائيات الجنس نادرة الحدوث تقول “قلّما يعترضني أشخاص “بينيين” ومعناه أن الطّفل عند الولادة لا تتوفّر فيه الخصائص النموذجية لتحديد جنسه وهنا إشارة إلى التمايز الحاصل في علم تشريح الأجنّة بين الذّكر والأنثى… فمن ستة إلى سبعة أسابيع لا يمكننا التفرقة بين الأنسجة الأولية (XY) فتظهر الفروق بعد عشرة أسابيع فبعضهم يظهر عليه موزاييك مشوّه بين العضوين أمّا البعض الآخر يكون حاملا لجهاز تناسلي بارز على حساب الآخر ”  

“عشتُ مرحلة البينيّة… كنت في النهار رجل وفي الليل امرأة لقد كنت أشتري ملابس داخلية نسائيّة أرتدي الكعب العالي والباروكة والرموش والأظافر الملوّنة كنت أبحث عن “ليليان” المدفونة داخلي، لا أعلم حقيقةً لم يعتبرني الجميع كائنا خارج عن الطبيعة فأنا شأني شأن الكثيرين من “المجتمع ميم عين” في العالم العربي نعيش أزمة هويّة أو حالة ضياع… مرّة كنت أدخّن سيجارة عادية في الشارع تعرّضت إلى وابل من الشتائم ضُربت وسُحلت ثمّ دخلت إلى سجن الرجال تعرّضت إثرها إلى الاغتصاب… بعد خروجي من الحبس قرّرت إجراء عملية تصحيح الجنس… و يا ويلي من عذاب الألم لكنه لم يكن يضاهي ألم ذكريات التنمر ومشهد الأصابع المشارة نحوي كأنّها سهام… أتذكّر لكم رفضني الناس فلم تكن أيّ وظيفة تتقبّلني عدا مركز تجميل واحد بيّنت فيه ابداعاتي، أنا اليوم أقف وأقول أنا أنثى يا عالم هاجرت إلى ألمانيا ولديّ حبيب وأعيش حياة امرأة عادية وفنانة تجميل لقد قطعت مع الماضي…”

تختتم “ليليان” المكالمة الهاتفيّة بقولها “إذا كتبتي مقالا اجعليه بلا عنوان تماما مثلي أنا بلا اسم وبلا هويّة ففي فترة ما لم أعرف ما إن كنت ذكرا أم أنثى لم أميّز حتّى ما إن كنت أرغب في أن أكون مع شريكة أو شريك ولا أدري هل كان ذنبي أنا أم المجتمع أم القوانين أم هو ذنب القدر…”

يبدو أنّ “ليليان” قد طرقت باب الحرية فأطلقت العنان لنفسها ولجسدها رغم أنّها قد دفعت ضريبتها غالية فاختارت أن تفوز بنفسها رافعة الحجاب عن طابوهات هذا الجسد الذّي يحضر في الإرث الفلسفي فعالج إشكالية تواجده بأبعاده التاريخانيّة منها والأنثروبولوجيا والفينومينولوجيا، فبين الخطيئة والعفّة وبين ما هو فطري وما هو مكتسب وبين بعديه الطبيعي والثقافي نجد مفهوم الجسد يحضر بتمثلات عدّة في الفنّ فكيف إذا ما كان ينطق فيه الجسد…

على غرار النموذج الأفلاطوني الّذي حقّر من قيمة الجسد وجرّده من كافة معانيه بل واعتبره “وزرا” يثقّل على كينونة الانسان في مسار بلوغه مرحلة الكمال وصيد الحقيقة والذي اعتبره أفلاطون قبرا للنفس وسجنا لملكة العقل الخالدة، جاءت على إثرها فلسفات متباينة حدّ التناقض ناقضت الجسد وجعلته تحت المجهر بنزعة رؤيوية الأحاديّة، وقد انتصر كلود برنار إلى “أنّ الجسد آلة ومقياسا للتّجارب”، كذلك لاميتري الّذي “اختزله ماديا” ثمّ “فلسفة الجسد الفينومينولوجيا” مع هوسرل ولفيناس وميرلوبونتي الّذي يقرّ بأنّ “الجسد والروح وجهان لعملة واحدة” غير أنّ نيتشه قد جاء بفلسفة تلغي التّصوّرات المثالية لقراءة الجسد واعتبر أنّ الجسد هو جزأ لا يتجزّأ من تركيبة الإنسان بل وراهن على أنّ “الجسد هو العقل الأكبر مقابل العقل الصّغير الّذي هو الوعي”.

 وقد أبدت السّينما التونسية جرأة مخصوصة في تناول مواضيع التّنوع الجندري بما في ذلك قضيّة العبور فتتعامل مع معالم الوجه وتقاسيم الجسد للوصول إلى بناء الشّخصيّة المتناسبة مع تعبيراتها وطباعها والفضاء السّينوغرافي العام بما فيها من أقنعة وملابس وماكياج من أجل بلوغ رؤية إبداعيّة مخصوصة في الإخراج السّمعي البصري وتناول مشهديّة الصّورة بنيويّا وتأويلها دلاليّا لاستمالة الجانب التّخييلي للمتفرّجين وفكّ شيفرات العرض…

يرى المخرج والسيناريست المنصف زهروني أنّ السينما هي الحل للتخلص من ربقة حدود الجنوسة وسلطة النظام الأبوي فاختار عرض مسرحية “عبور” الذي تحوّل إلى فيلم “TranStyX” بسيميائيّة جريئة لنشر الوعي بقضايا المثليين وعابري الجندر، فبيّن مرونة وسلاسة في التعامل مع فيزيولوجيا الجسد بما فيه من تفاصيل خلقيّة تأسّس مزجا بين ما هو متناسب وما هو متضارب مع إيقاعات الموسيقى وتعبيرات واضحة الأسلوب حسّيا وماديا، فيتكلّم الجسد حسب سيرورة ونسق النّصّ الدراماتولوجي من ناحية وحسب التركيب التشريحي لتقاسيمه (في التعبير عن حالاته من خلال دراسة العضلات والحواس كنوافذ التقاط واستقطاب للرسائل) من ناحية أخرى.

قد يثور الجسد ويلاين أحيانا ويجامل فيتناسق بثباته وتذبذبه بين المكشوف والمستور لتكتمل الصّورة المعروضة في محاولة لخلق التوازن البصري بين ما هو دقيق مكتوب وما هو مرتجل وليد للصّدفة لما له من جمالية ودلالة على مستوى بلوغ النوايا الباطنة وتصوّر الخطاب الأخرس لتحقيق الفعل التّواصلي واستيعاب الأفكار المتوالدة.

ولعلّ الكوريغرافيا السينمائية القائمة بين النّص والأداء تجعل الممثّلين أفكارا وقضايا تتحرّك في المطلق من حيث الدّال والمدلول مرتدية أثواب الرموز فتصيّر بذلك جماليّة إيقاعيّة جامعة بين الثنائيات المتضادّة (المقدّس والمدنّس، الجميل والقبيح…) بغية التأسيس للكوني ليخلد العمل ويدوم ولعلّ ذلك ما يفسّر قول فيشر “إنّ الفنّ لم يكن ضروريا في الماضي فحسب وإنما سيبقى كذلك في المستقبل وعلى الدّوام” وهذا إقرار صريح على أنّ التفنّن مدّ للإبداع الإنساني نحو التّجلّي والانكشاف وهو منشأ للتّأثير وتعدّدية القراءات والتأويلات…

يقول عبد الحميد بوشناق “دوري هنا إحراج الأدمغة ومحاربة التقتيل والإقصاء كذلك مراجعة كلمة “عيب” فلقد تعمّدت ترك النهاية مفتوحة في فيلم “الإبرة” الذي يناقش قضية ثنائية الجنس وهي دعوة للتفكّر في مسألة قبول الآخر المختلف عنّي، فأنا أبحث عن القيمي في الانسان بصرف النّظر عن الفروقات…”

إذ أنّ تأثيرات الإنتاج السينمائي في الآونة الأخيرة باتت تستمدّ فاعليتها من عظمة المادة الدراماتولوجبة وقدرتها على الاقتحام الفني والجمالي للمناطق الممنوعة أو القابلة للتفجّر وتحريك الراكد وهزّ الثوابت وحرصها على انطاق المسكوت عنه وفتح نوافذ انطلاق المكبوت والمقموع الاجتماعي النفسي وكلّ ذلك أتاح للمجتمعات أن تتأمّل ذاتها في حالة من الانكشاف والتّعرّي حتّى وإن جاء هذا الانكشاف من خلال الأقنعة والرموز الدلالية رموز فصيحة تكاد من الإفصاح أن تتكلّم…

لقد أضحى الفنّ السابع صرحا فنّيا تتفاعل معه الشّعوب بلغاتهم ومعتقداتهم وثقافاتهم من أجل إرساء الإنساني في الإنسان وهو ما جعل الفيلسوف الفرنسي المعاصر “أندري مالرو” يقرّ بأنّ “الفنّ للإنسان…” هذا الانسان معقّد التركيبة والسّلوك لطالما اعترضته صعوبات واحراجات عديدة تجعله يقف أمام سراديب قضايا منها المعروضة ومنها التي عجزت الفنون المعاصرة الحسم فيها أو إيجاد حلول نهائية لها، لذلك يظلّ هذا الانسان سرّا مجهولا ويظلّ باب الفنّ دوما مفتوحا للنقاش والنقد…

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *